السبت، نوفمبر 01، 2008

بحثا عن الفرح ...الرياضة تسرق السياسة

تقرير : مزدلفة محمد عثمان
حالة اشبه بالجنون تعتري عشاق كرة القدم في العالم باسره حين تنتصر فرقهم علي اندادها ، والسودان لايقل شعبه عن سواه من الشعوب التي تدمن المستديرة ، وفي الاسابيع الاخيرة طربت جماهير الرياضة لانتصارات متلاحقة حققتها فرق الهلال والمريخ علي خصوم عربية وافريقية عرفت علي مر التاريخ الرياضي بالقوة والصلابة ، وازاح قطبي الكرة السودانية اساطير الارض والجمهور ونجحا بجدارة في المضي بخطوات جدية الي الامام في بطولتي الاندية الافريقية ، وكاس الاتحاد الافريقي (الكونفدرالية ) .والحال هذه ، اجبرت الصحف السياسية في الداخل علي الميلان صوب العناوين المنتشية بالانتصار ، مصحوبة بمساحة مقدرة افردت للصور التي تحكي روعة الاهداف ،بينما احتلت اخبار انتصارات الفرق السودانية حيزا مقدرا في مواقع الانترنت والوكالات العالمية بنحو جعلها تزاحم تقارير الامم المتحدة السرية وحملات الوعيد والتهديد المتصل من بوش وبلير للخرطوم يضاف اليها سيلا من الاخبار المحبطة التي لا تكاد تذكر الا وتربط بالسودان .
في مساء الجمعة عاش الملايين الفرح الغامر حين انتصر شباب الهلال علي (ناسورا يونايتد) النيجري بركلات الترجيح التي حبست الانفاس ، وكان المشهد بعد المباراة يحكي ببلاغة الالتفاف غير المسبوق علي حدث سعيد ، فعاشت الطرق اكتظاظا لا يصيب بالضجر ، وخرج الالاف في مسيرات هادرة لم تفرقها الشرطة وان حاولت في بعض المواقع اعتراضها لكن انصراف المشاركين الي التعبير عن مشاعرهم الكروية المتجردة عن الاغراض الاخري دفعها الي ان تدع المواكب وشأنها ، وبذا تكون الرياضة نجحت في ما عجزت عنه السياسة ان لم تكن سرقت فعليا الاجماع والالتفاف علي قضية واحدة ، فالجميع وباختلاف مشاربهم السياسية تاثروا سلبا بسياسة الحكومة الاقتصادية التي ادت الي رفع اسعار المواد البترولية والسلع المهمة ، لكن الاجماع علي خروج مواكب للتعبير عن الاحتجاج كان محدودا في فئات بعينها قوبلت علي الفور بالقمع والتفريق ، وحتي عند التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل والتي يفترض فيها الحدث الاسعد لكل السودانيين لم يتحرك موكب بتلقائية للتعبير عن الفرح باستثناء المهرجان الذي حشدت له الحكومة الوفود في نيفاشا ، واتباعه بمسيرات مرتبة في الخرطوم .
لكن الشاهد الذي لا يختلف عليه اثنان ان الرياضة حققت قفزات متقدمة فشلت في خلقها السياسة برغم الارتباط البائن بين التيارين ، وهو ما يتفق معه لاعب الهلال السابق عمر النقي حين يقول لـ "الصحافة " هاتفيا امس ، ان الكرة تعتبر فعالة للغاية مقارنة بالسياسة المتسمة في كثير من الاحيان بالتوتر المستمر ، ويشير الي انها تعد هما شعبيا يتفق حولها في كل الاوقات سيما عند الانتصار ، ويضيف النقي بان الهلال والمريخ علي سبيل المثال يتمتعان بحب مشترك لمناصري الحركة الشعبية ومؤيدي حزب الامة او المؤتمر الشعبي والحزب الاتحادي وغيرها من الملل السياسية ، واضاف " هذا واضح في السودان ، مع اختلاف الهوي السياسي يتفق الناس علي الهلال او المريخ " ويري ان الحكومة الراشدة الواعية لدورها تنحرف بقوة في اتجاه الاهتمام بالرياضة ويرسل النقي مناشدة لرئاسة الجمهورية للالتفات والاهتمام بتطوير .
وثمة من يربط الواقع السياسي الذي تعيشه البلاد بالنجاحات الكروية لفرقها ، وبرغم ان عمر النقي يري رابطا وتاثيرا لا تخطئه العين بالنظر الي حاجة اللاعبين الي الدفع المعنوي من الموجودين علي سدة الحكم فضلا عن الاهتمام المادي وغرس ثقافة الوطن داخل الجميع لنبذ التعصب والعنصرية ، الا ان هناك من يستبعد كليا الصلة بين الحالة السياسية والانتصارات الكروية ويستشهد هؤلاء بفوز المريخ بكأس سيكافا في 1986 حيث لم يكن منطقيا ابدا بحسابات كرة القدم تحقيقه الفوز الذي اكتمل بعد اشهر من سقوط نظام الرئيس جعفرنميرى وحاز وقتها علي لقب " مريخ الانتفاضة " وحظي باستقبال حاشد في في مطار الخرطوم وسرعان ما اوشك الهلال علي الظفر ببطولة ابطال الدورى الافريقية كما كانت تعرف يومها وكاد في واحدة من اشهر المباريات ان يخطف الذهب من الاهلى القاهرى لولا الحكم المغربى لاراش .
غير ان الباحثة في علم النفس حرم الرشيد شداد ، تري في الحالات التي تعتري الشباب انتشاء بالنصر الكروي نوعا من التبعية ، وفيه شيئا ا من عدم المنطق ، وتقول في حديث هاتفي مع" الصحافة " امس بان ان حالة الفرح التي تجتاح اولئك تعتبر محاولة لتفريغ كوامن ومخزونات نفسية دون وعي او ادراك .
وبغض النظر عن التفسيرات النفسية لحالة السعادة الغامرة التي تتجاوز الشباب الي الشيوخ وحتي النساء ، الا ان الكل متفق علي ان صدقية الافراح التي تصنعها الانتصارات الكروية بعد ان سلبتها تقاطعات السياسة واختلاف قادتها لازمنة متطاولة .

نشر فى الصحافة 23 ابريل 2007

ليست هناك تعليقات: