تقرير : مزدلفة محمد عثمان
لم تكن احداث الحادي عشر من سبتمبر هزة عادية , فغداتها تبدل كل شيئ , ابتداءا من الاستراتيجيات " القطبية " التوازنية للعالم وانتهاءا بعلاقات الحكم في البلد الواحد والنظام الواحد , وسارع عرابو النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الامريكية , الي اعادة تشكيل اللعبة , بدك الاوراق واعادة توزيعها من جديد بحيث يتأثر اصحاب الحظوة هذه المرة بالقدر الاوفر والاوراق الاكثر , ولما كانت منظومة دول ما كان يعرف بالعالم الثالث أو العالم النامي , تحولت بفعل التطور الطبيعي من قطط مهادنة ، ليست " سمان " ، ولكنها ذات قدرة هائلة علي " استخدام الاظافر" , لم يتجاهها العرابون هذه المرة , فكانوا ضمن اللاعبين المهرة الذين ينبغي الاستعانة بهم لمحاربة ما اطلق عليه الارهاب خاصة وانه نبع من افريقيا ، ولان اجهزة المخابرات تعد الاقدر علي القيام بالدور ، كان لابد من احكام التنسيق بينها للتعاطي مع ما عرف اصطلاحا بـ" الحرب علي الارهاب " وتعدي التنسيق الحدود الاقليمية الي الدولية ، واخذ اشكالا متعددة من بينها الادوار السياسية لرجال مخابرات ، برزوا علي المسرح الاقليمي والدولي .
والمعروف ان الحقبة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي تميزت بدور سري وغامض لضباط الاستخبارات ، وكانت تحركاتهم تحاط بقدر كبير من التكتم والرهبة ، وكما قال رئيس جهاز المخابرات المصري الاشهر صلاح نصر لعشيقته اعتماد خورشيد ان (صورته لا تظهر في الصحف ولايستطيع ، احد تتبع اخباره )وبغض النظر، عن ما يدور من روايات حول " انحرافات صلاح نصر " الا ان المؤكد انقلاب الحال في السنوات الاخيرة حين بدأ اصحاب النظارات السوداء يخرجون الي العلن ، وتتصدر اخبارهم وصورهم اجهزة الاعلام ، فكان رئيس جهاز المخابرات الامريكية السابق جورج تينت ، صاحب الدور الابرز علي المحور السياسي العالمي حين تصدي للمصالحة الاسرائيلية الفلسطينية باقرا ر ما عرف بـ"تفاهمات تينت "، وانتقلت بعدها الحمي الي الشرق الاوسط بظهور مدير المخابرات المصرية اللواء عمرسليمان كصاحب ادوار شبيهة بالتي يقوم بها نظيره الامريكي ، خاصة علي محور القضية الفلسطينية ، وتولت المخابرات المصرية دورا لا يخفي في المصالحة بين الاحزاب الشمالية في السودان فاستضافت مفاوضات القاهرة بين الحكومة والتجمع المعارض وقتها ، يضاف اليها سلسلة لاتنتهي من الملفات الشائكة في السودان وخارجه . ولم يكن مدير جهاز المخابرات السوداني الفريق صلاح عبد الله بعيدا عن ذات الادوار فظهر علي الملأ قبل التوقيع النهائي علي اتفاقية سلام نيفاشا وقاد ادوارا غير مسبوقة في الفترة التي سبقت دمج جهازي الامن والمخابرات حيث نهض حينها بتحركات خارجية ماكوكية استكملها في وقت لاحق بتولي ملف الحركات الرافضة لابوجا ، وقبلها تولي بزيارة خاصة الي الولايات المتحدة الامريكية محاولات جدية لتبييض صورة السودان كبلد غير ارهابي ولا يدعم الحركات المتطرفة فكان التعاون الاسستخباراتي الامريكي السوداني متقدما علي التطبيع السياسي بقفزات كبيرة .
وفي الانباء ان الخرطوم تستضيف هذه الايام الاجتماعات التمهيدية لاجهزة الامن والمخابرات في افريقيا ( (CISSA بمشاركة اكثر من خمسين دولة افريقية يضاف اليها ثمانية عشر دولة ومنظمة من خارج القارة فضلا عن سبع منظمات وهيئات اقليمية ، والاجتماع الذي يعد الرابع من نوعه بعد ان استضافته علي التوالي كل من بانجول وطرابلس وناميبا يهدف بالاساس الي جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها ونشرها في الوقت المناسب لاصحاب المصلحة في خدمة القارة الافريقية ، وفي عمومه يعمل علي تقديم المعلومات للقيادة السياسية في مجال الامن والمخابرات بما يحقق الامن والسلام ، الي جانب تنسيق الاستراتيجيات بما يمكن من التعاون بين الاجهزة الامنية وتبادل المعلومات المتصلة بالمهددات الامنية المشتركة فضلا عن تقوية وبناء الثقة فيما بين تلك التنظيمات ، ومد مجلس السلم والامن الافريقي بالمعلومات في مجال حفظ السلام ومنع النزاعات دون اغفال التعاون مع المنظمات الاقليية النظيرة خارج القارة والعمل كقناة اتصال بين الاجهزة الامنية والمخابراتية في حالات الصراعات .
وبحسب مسؤول حكومي رفيع تحدث الي " الصحافة " امس فان الدعوة لحضور المؤتمر شملت اجهزة استخبارات اوربية بالاضافة الي وكالة الاستخبارات الامريكية (CIA) ورجح ان يحضر ممثلها في الخرطوم جلسات المؤتمر التي قال انها تناقش قضايا الارهاب المتصل منها بتهديد الامن في افريقيا ، بنحو يقود الي تفعيل الاتفاقيات الثنائية، خاصة وان القارة تواجه تحديات جسيمة في مقدمتها انتشار بؤر الصراع المسلح وتنامي الحركات الخارجة عن القانون ، بالاضافة الي الوجود الاجنبي غي المقنن واشار الي ان جلوس مدراء الاجهزة الاستخباراتية علي مائدة حوار يتيح مجالا اكبر لاحكام التنسيق ، ويقول بان السودان مرشح للاستفادة القصوي من المؤتمر بتوفير معلومات لم تكن متاحة من قبل فيما يخص الصراع باقليم دارفور وما انجزته اتفاقية سلام الجنوب سيما وان القادة الامنيين يعتزمون زيارة جوبا وبعض مدن غربي البلاد بمعية وفد سوداني مرافق لتوضيح الحقائق وشرح حقيقة الازمة ، ولم يستبعد المسئول اسهام ذات التحركات في رفع الحرج الذي تشعر به اجهزة الامن الغربية تجاه التعامل مع السودان بما يمكنه من لعب دور اكبر في القضاء علي الجريمة العابرة ومكافحة المخدرات والمساعدة في الحرب علي الارهاب ويوضح اكثر بان المهددات الامنية باتت مرتبطة في غالب الاحيان بالحدود الامر الذي يستلزم مواجهته بممارسة ما اطلق عليه الدبلوماسية الوقائية . ولا ينف المصدر الدور السياسي لاجهزة المخابرات ويقول بانها تلعب دورا بارزا في صنع القرار وتحويل مساره في كثير من الاحيان لذلك وينبه الي ان الـ "CISSA " تعد احدي اليات الاتحاد الافريقي ولابد من حل كافة اشكاليات في الاطار التنسيقي .
ووفقا للخبير العسكري محمد العباس الامين فان القارة الافريقية تتميز بارتفاع وتيرة الصراع المسلح يضاف اليها التاثير القوي لقضية الارهاب الدولي الذي تهتم به الولايات المتحدة الامريكية ، بما يحتم علي الاجهزة الامنية الاستخباراتية بحث التنسيق والتعاون وتبادل المعلومات ، ولايستبعد ان تكون خلف الكواليس اجندة لدول كبري خاصة وان الدول الافريقية كما يقول تتبع لدول اجنبية وفرانكفونية ، ويؤكد ان المعلومات في المؤتمرات المشابهة تعد مهمة للدول الاخري فمثلا الولايات المتحدة الامريكية وبرغم تقدمها في مجال المعلومات الا انها قد تفشل في الحصول علي الصورة الكاملة الا من خلال هذه التجمعات .
لكن الخبير في الشئون الافريقية الامين عبد الرازق يري في اجتماع الاجهزة الامنية بالخرطوم تظاهرة سياسية اكثر من كونها عملا استخبارتيا منظما وينبه الي ان التنسيق الثنائي يعد الاجدي دائما في العمل الاستخباراتي ، ويقول لـ" الصحافة " هاتفيا امس ، ان الحشد جاء لدعم السودان في مواجهة ازمة دارفور والمحكمة الجنائية الدولية وقضايا حقوق الانسان ، ويشير بوضوح الي العلاقة القوية جدا التي تربط بين الاجهزة الامنية والحكومات ، وفي الغالب يكون مدير الامن والمخابرات شخصية مؤثرة للغاية علي خارطة الحكومة التي تبني في افريقيا علي اساس قبلي .
ويقول عبد الرازق ان جهاز الاستخبارات السوداني حريص علي تنوير مدراء الاجهزة الافريقية وغيرهم بما يجري في السودان في محاولة يرجح انها خطوة في اتجاه تحييدهم وبالتالي لعب دور ايجابي وبالعدم تشكيل لوبي افريقي يلعب لصالحه، ويردف بالقول ان الجهاز السوداني بات مؤخرا بارعا في تكوين مثل تلك اللوبيات . ويمضي عبد الرازق الي التذكير بان الحرب علي الارهاب تعد محورا اساسيا للمؤتمر يضاف اليها التحديات الامنية والفقر ،وينوه الي ان القارة مفتوحة امام لاعبين دوليين خاصة امريكا وحلفائها المؤثؤين ويضيف " المعروف ان التاثير في الافارقة ليس صعبا "
نشر فى 4 يونيو 2007 (الصحافة)
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق