الساحة يضربها شئ من الفوضي والاحزاب تعاني الارهاق
حوار : مزدلفة محمد عثمان
*** بداية كيف تقيم حالة التنازع الحالية بين شريكي السلام وتاثيرات ما يجري علي المستقبل السياسي للبلاد بشكل عام ؟
المنهج الذي تمت به المفاوضات في مشاكوس ثم ناكورو ثم نيفاشا ، اثر علي النتائج الذي تمخضت عنها المفاوضات وعلي نصوص الاتفاقية التي نتجت عن المنهج ،والعيب الذي تتفق عليه القوي السياسية كافة ان الحوار كان ثنائيا ، وعندما يقال ثنائيا يقصد انه كان بين حزبين ، لكن الحوار كان بين رجلين ، وكانت القوي المعارضة تعول علي احد الرجلين ، وكان الرجل الثاني يعبر عن مصالح الحزب الحاكم وهو المؤتمر الوطني، لذلك ما ان غاب الرجل الذي كان يجسد طموحات المعارضة علي الساحة ، حتي بدت الاتفاقية خالية من كثير من المعاني والرجاءات التي كانت موضوعة عليها ، والرجل الثاني نفسه ظل يتمتع بسلطة مطلقة منذ بداية الانقاذ ، لكن بموجب الاتفاقية نفسها انحسرت قوته ، لذلك المنهج والطريقة التي تمت بها الاتفاقية عبرت عن عنصر ثالث هو التدخل الاجنبي الثقيل ، القائم علي اساس ان الحرب تطاولت و العالم ينظر الينا ..فاستعمل المنهج الذي تستعمله القوي العظمي في العالم الان ، ان تضع وطأة ثقيلة جدا علي مناطق الصراع ، واذا لم تستطيع الاطراف المتنازعة الوصول الي حل فهي تقترح النتائج وهذا ما حدث ، اناشخصيا كنت اعول علي د.جون قرنق لاني دخلت معه في حوارات كثيرة جدا، كان يؤكد فيها انه تعلم درس المعاناة والتهميش، وبدت تبرز في شخصيته ملامح المفكر علي حساب السياسي الذي تحركه في العادة، مخاوف ومطامع وهواجس ، كذلك برزت شخصيته علي حساب العسكري الذي يحركه العنف والحسم . كان هناك امل كبير في قرنق بما له من ثقل دولي و شخصية وافكار ان يساهم في سد النقص الذي نتج عن الاتفاقية .
لكن لو تذكرين ان اول حكومة نتجت من الاتفاقية كانت سمتها البارزة انها تشكلت من العناصر المناوئة للرجلين ،بمعني ان المؤتمر الوطني جاء بعناصر معارضة للمفاوض الرئيسي وكذلك فعلت الحركة الشعبية ..النتيجة كانت مدهشة شيئا ما ، لذلك كان مهما ان تؤسس المفاوضات علي مناهج كما تؤسس الاحزاب نفسها علي منهج وليس علي رجال.. ليواجه الناس هذا المأزق ..الان السودان في هذا المأزق ..بعد ان غابت شخصية كاريزمية مفكرة كبيرة ..انحصرت مرجعية النظام الحاكم الفكرية الاسلامية الي حد انها تكاد تتلاشي ، لذلك الساحة يضربها شئ من الفوضي .. رغم البترول والانجازات الكبيرة لكن المواطن لا يستشعرها ، في حياته ومعاشه ، والاهم من ذلك لا يستشعر امانا علي حاضره ولا مستقبله .
اين الاحزاب من ذلك الخضم؟؟
الاحزاب الان تكاد تمسك ببرامجها وبمواقفها الفكرية ، في سبيل قضية واحدة وهي ان يحدث تحول ديموقراطي حقيقي ، يغير وجه العلاقات السياسية في تغيير تركيبة الحكم .
اذا ماهي ملامح ما يفرزه المستقبل استنادا علي العلاقة الحالية بين المؤتمر والحركة الشعبية وتحديدا فيما يخص قضايا الوحدة والانفصال ؟؟
بالنسبة للتشاكس بين الشريكين ، اري ان الاتفاقيات ينبغي ان تتطبق بافضل وجه ، بمعني اذا اتفقنا انا وانت علي امر فهذا الاتفاق يعبر في جوهره عن اننا نريد ان نصل الي وفاق في امر ما ، ولذلك لايمكن ان نعتمد علي ظاهر النصوص ونلتف عليها ونتحايل ،هذا ليس باتفاق ، لان التفاهم يعني ان نتقدم ببعض التنازلات ، تذكرين الصراع الاول علي وزارة الطاقة ، وتدركين التنازع الحالي علي ابيي .. فالشركاء متشاكسون ، والحكومة التي تسمي الوحدة الوطنية لا تعيش الوحدة ، والنزاعات تحدث فراغات ، وبالتالي تستدعي تدخلات ، كما يجري الان في دارفور ، فالاتفاقية لا تبدو مامونة المستقبل.
اما بالنسبة لقضية الوحدة دائما الاخوة في الجنوب يتحدثون عن دور للشمال وهذا حق .. ينبغي للشمال ان يلعب دور كبير ليضمن الوحدة مع الجنوب .. للاسف ان الذي يمثل الشمال الان هو المؤتمر الوطني لا يريد ان يتنازل عن وزارة الطاقة ولا يريد ان يعطي دارفور منصب نائب اول ،لكن انا اعول ، وارجو ان يكون ذلك هو المنهج .. ان قادة الجنوب يدفعون باتجاه الوحدة واتفائل بتصريحات سلفاكير قبل يومين التي قال فيها ان الوحدة هو الخيار الذي يعول عليه .. لو ظل القادة يتحدثون سنملا الفراغ الذي خلفه جون قرنق لانه لو كان موجودا لبشر بالوحدة ، وكان الجنوبيون سيصوتون لها ، خاصة اذا كانت قياداته تتحدث بها ، اما الشمال فلن يقدم تنازلات للجنوب لانه محكوم من المؤتمر الوطني .
*** البترول عامل مهم في الصراع الحالي بدليل ما يجري في ابيي ، الي اي مدي يمكن ان يعجل مستقبلا في التقسيم او الوحدة ؟؟
هم حتي في النظام ادركوا الحقيقة التي ظل يتحدث بها خبراء الاستراتيجية و مفادها ان البترول دائما يحمل (لعنة ) للدول التي يظهر فيها ، اذا كان في العراق او السعودية او نيجريا في فنزويلا ،دائما تهب رياح مشاكل عنيفة ، علي الدول التي تنتجه، اصة اذا كان اقتصادنا بدأ يعتمد عليه بشكل كبير ..
*** في موضوع ابيي تحديد الي اي يمكن ان تؤدي تلك اللعنة؟؟
والله ..الصراع حول ابيي نفسه يدلل علي ان الجميع يؤمن بالانفصال .. لان السودان واحد ، والنزاع يبقي بلا معني ،فالمواطن حر بموجب الدستور يمكنه التنقل ،لكن الصراع الحقيقي يكمن في ان كلا الطرفين يؤمن بان المحصلة ستؤول الي الانفصال لذلك يتمسك بها فاذا حصل التقسيم تكون من نصيبه ..وهناك تعقيدات طبعا تتمثل في تهديد قبائل التخوم للحكومة ، لكن قانونيا الامر محسوم في الاتفاقية .
*** تسجل الاحزاب المعارضة بشكل عام غياب عن الساحة التي خلت الا من المؤتمر الوطني ، كيف يمكنك ان ترسم صورة الاتي في ظل انتخابات قريبة ؟ هل يمكن ان تتحالف في وجه الوطني والحركة اذا ارتضيا خوض الجولة سويا ؟؟
في اعتقادي ان الاحزاب مرهقة ،خلال العقدين الماضيين ، هذا واقع ، الارهاق هذا احدث ضعف في الرؤي وضعف في البرامج وكذلك النشاط ، لكن ..اذا جاءت رؤية جديدة يمكن ان للاحزاب ان تنشط حولها ..
*** ما سمات تلك الرؤية ؟
في تقديري ،ان المؤتمر الوطني ظل يستعمل تاكتيك التاخيرحتي يجد الناس انفسهم بين يدي الانتخابات وهم بلا رؤية ودون موضوع للتحالف ، لذلك اعتقد ان الرؤية الجدية للاحزاب ان تقبل التحدي وتخوض الانتخابات وتمضي في نفس الاتجاه ...
*** تخوضها بشكل منفرد ؟؟
لا ، لا ، تترك الحديث عن برامج ..لكن تخوضها موحدة ، بهدف خلق تحول ديموقراطي حقيق وبعدها تطرح البرامج ،مثلا المؤتمر الشعبي اذا فاز باكثرية في مقاعد البرلمان يؤسس حكومة غالبية وزرائها من احزاب اخري بتمثيل واسع جدا حتي يستقر الناس علي امر ، واعتقد ان هناك اصوات في المؤتمر الوطني تقترح وجود شئ من التحالف بين يدي الانتخابات لان الدديموقراطية البسيطة ..صوت واحد لكل مواطن ...قد تنتج شكل لا يستقر بالسودان وهذا وارد جدا .. الان حتي بالنسبة للحركات التي تحمل السلاح في دارفور او في شرق السودان ينبغي ان تجدد رؤيتها ..بمعني ان الحديث عن منصب نائب رئيس او المطالبة باربعة او خمس وزارات مركزية او حكومة اقليمية علي مدي سنه ونصف .. هذا بالضبط ما كان يريده المؤتمر الوطني ..واذا كان هذا هو التحدي يجب ان تتشكل الساحة السياسية لمواجهته، ولابد ان نحدث وضع جديد في شكل مستحدث للعلاقات السياسية، وفيه ايضا حكومة علي الاقل تغير القوانين ، اليوم اقرأ في الصحف ان هناك 300 قانون لم تبدل لان حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها المؤتمر الوطني لا تريد تغييرها .
*** لكن الاحزاب تواجه مشكلة حقيقية مثلا اذا نظرت الي تنظيم كالتجمع الديموقراطي وان جاز لي التعبير فهو قد شيع الي مثواه ، وكذلك التحالف الوطني الذي يقوده الامة والمؤتمر الشعبي مصاب بحالة من الموات ،و يبقي حال الاحزاب الرئيسة بائسا لتكون الصورة القادمة لوجودها في الساحة ايضا غامضة .اين الازمة في تقديرك ؟
لو تذكرين ..في مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا عام 1995 كانت المعارضة ممزقة وكان التباين واضح جدا بن الحركة الشعبية والسيد محمد عثمان الميرغني لكنهم التقوا علي برنامج ، صحيح ان النظام وقتها كان قويا لدرجة تستوجب ان يجتمعوا سويا وكان هذا طبيعيا ..كلما يقوي الخصم يجتمع الخصوم الصغار ..والان ما دمت تمسك بالسلطة فانت متقدم خطوات كبيرة علي الجميع والطريقة التي يدير بها المؤتمر الوطني البلاد اليوم هي طريقة الـ(52% ) لابد ان يستمر ومعه سلطة مطلقة ولا يتيح لاي شريك حتي ولو كان جبهة الشرق تلك المجموعة المحدودة الان هي تشكو من ان الوطني لا ينفذ اتفاقياته ، هذه عقدة ثقة كبيرة جدا.. ولابد ان نغير شكل المرحلة المقبلة ليقوم عمل سياسي معافي وسليم عندئذ يمكن ان تتحالف الاحزاب علي هذه الرؤية ويمكن ان تنشط ايضا ، هو ليس ارهاقا بالمعني المادي لكنه معنوي، فالطريق والاهداف والغايات ليست واضحة حتي يمضي الناس نحوها سراعا ، لكن اذا اتضحت ولو مرحليا بانجاز فترة الانتخابات سيمضي الناس سراعا نحو انجاز العمل السياسي .
*** من اهم الشواغل التي ستؤثر بالقطع علي صورة المستقبل في السودان قضية البعد الدولي خاصة بعد القرار الصادر بتدخل عسكري في دارفور كيف تراه ؟
طبعا اذا اجتمعت الاحزاب والقوي السياسية علي صعيد واحد وعبرت عن موقف يناسب المرحلة ، فالمجتمع الدولي سيتجاوب مع هذا الطرح ، انا كنت في باريس قبل ايام والتقيت بمسئولين كبار تحدثوا بصراحة عن انهم لا يعرفون ما تريده الاحزاب ، علي الاقل يدركون كيف يتصرف المؤتمر الوطني ،فاذا اوضح قادة الاحزاب انهم لايسعون فقط وراء قسمة السلطة والثروة ولا يشتكون من العسف الذي يقع عليهم من الوطني ، ولايريدون نزول قوات دولية تفصل ذلك الاقليم الي الابد لذلك من المهم ان تتحد الساحة السياسية وتخاطب قوي المقاومة التي تحمل السلاح هناك لتقف معها علي صعيد واحد بان هذا البلد ينبغي ان يكون موحدا ،و فيه العمل السياسي متاحا ، وبمشاركة تامة ببسط حقيقي للسلطة والثروة هذه هي القضايا التي نريدها وهذه هي االمسائل التي يتجاوب معها الغرب ، المشكلة عندنا في الداخل وليس الخارج الذي يمكننا نجبره علي الاقتناع بما لدينا .
*** قصدت من سؤالي الاستفسار عن تأثيرات الوجود المادي العسكري الدولي خاصة انه لن ينحصر علي دارفور ؟
لو تذكري.. ان غالب القوي السياسية الي ايدت الوجود الدولي والعدالة الدولية كان اعتراضها علي ان القرار 1706 يحوي بندا يتحدث عن احقية القوات الدولية في ملاحقة كل من يعترض علي ابوجا سيكون ، لكن البند سحب في التعديل الاخير ،وهذا امر جيد جدا ، ان تكون مهمة القوات متعلقة فقط بحماية المدنيين ، وهذا التعديل الذي ادرجته بريطانيا وفرنسا وامريكا يعكس التفهم لاعتراض القوي السياسية في الداخل علي القرار 1706 ، ويمكن جدا للاجماع الوطني تطوير كذلك الموقف الدولي نحو موضوع القوات ، نحن نريدها اذا دخلت دارفور تبقي لمدي معين لا تصبح كما في شمال العراق حيث بقيت عشرة سنوات حتي جاءت القوات الامريكية ، لا نريد ان يتكرر هذا في السودان .
*** هل تشعر بالتفاؤل ازاء المستقبل السياسي في ظل كل التعقيدات الماثلة ؟
والله .. اذا لم تتحرك القوي السياسية نحو رؤية جديدة تتحالف عليها فانني اتشائم من المستقبل القريب ، يمكن ان ينفجر الوضع في السودان لاي سبب .. اذا اغتيل قائد سياسي، او رئيس حكومة، اونشبت ازمة بين المؤتمر والحركة الشعبية بسبب خروج القوات المسلحة من الجنوب ،اواذا حدث ما يشبه يومي الاثنين او الثلاثاء فان الاوضاع ستتطور، لان من شهدوا تلك الايام ، لن يتصرفوا بذات الطريقة بالتاكيد ستختلف ردة فعلهم، ولن يكونوا ضحايا بتلك السهولة ، لذلك الخطر داخل الخرطوم موجود ، كثير من الناس يحملون السلاح، والخطر في الاطراف موجود ،مادامت القوات تستعد لدخول دارفور ، والخطر في الشرق ايضا لازال ماثلا ما دامت جبهة الشرق لاترضي عن مستوي تنفيذ اتفاقها ، فالساحة بحاجة الي رؤية جديدة تعطي الناس امل وتنقذ السودان من حالة الترقب التي يعيشها اي مواطن اليوم .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق